الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

356

تفسير روح البيان

انما يخرج امتثالا للامر ولا تؤثر محبت فلمال في محبته اللّه تعالى لأنه ما أحب المال الا بتحبيب اللّه ومن هنا قال سليمان عليه السلام هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي انك أنت الوهاب فما طلب الا من نسبة فاقة فقير إلى عنى ثم اعلم أن المال انما سمى مالا لميل النفوس اليه فان اللّه تعالى قد أشهد النفوس ما في المال من قضاء الحاجات المجبول عليها الإنسان إذ هو فقير بالذات ولذلك مال إلى المال بالطبع الذي لا ينفك عنه ولو كان الزهد في المال حقيقة لم يكن مالا ولكان الزهد في الآخرة أتم مقاما من الزهد في الدنيا وليس الأمر كذلك فان اللّه تعالى قد وعد بتضعيف الجزاء الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فلو كان القليل منه حجابا لكان الكثير منه أعظم حجابا فالدنيا للعارف صفة سليمانية كمالية وما أليق قوله انك أنت الوهاب أتراه عليه السلام سأل ما يحجبه عن اللّه تعالى أو سأل ما يبعده من اللّه تعالى كلا ثم انظر إلى تتميم النعمة عليه بدار التكليف بقوله تعالى له هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب فرفع عنه الحرج في التصرف بالاسم المانع والمعطى واختصه بجنة معجلة في الدنيا وما حجبة ذلك المال عن ربه فانظر إلى درجة العارف كيف جمع بين الجنتين وتحقق بالحقيقتين وأخرج زكاة المال الذي بيده عملا بقوله تعالى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فجعله مالكا للانفاق من حقيقة الهية فيه في مال هو ملك الحقيقة أخرى فيه هو وليها من حيث الحقيقة الإلهية لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ يا معشر المؤمنين ( روى ) ان جماعة من الصحابة رضى اللّه عنهم أنفقوا نفقات كثيرة حتى قال ناس مؤلاء أعظم اجرا من كل من أنفق قديما فنزلت الآية مبينة ان النفقة قبل فتح مكة أعظم أجرا مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ اى فتح مكة الذي أزال الهجرة وقال عليه السلام فيه لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وهذا قول الجمهور وقال الشعبي هو صلح الحديبية فإنه فتح كما سبق في سورة الفتح وَقاتَلَ العدو تحت لواء رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم والاستواء يقتضى شيئين فقسيم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه اى لا يستوى في الفضل من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من بعده وقاتل والظاهر أن من أنفق فاعل لا يستوى وقيل من مبتدأ ولا يستوى خبره ومنكم حال من ضمير لا يستوى لا من ضمير أنفق لضعف تقديم ما في الصلة على الموصول أو الصفة على الموصوف ولضعف تقديم الخبر على منكم لان حقه أن يقع بعده ثم في أنفق إشارة إلى انفاق المال وما يقدر عليه من القوى وفي قاتل إشارة إلى انفاق النفس فان الجهاد سعى في بذل الوجود ليحصل بالفناء كمال الشهود ولذا قال تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون فهذه الحياة حياة أخروية باقية عندية فكيف تساويها الحياة الدنيوية الفانية الخلقية مع أن رزق الحياة الفانية ينفد وما عند اللّه باق ولذا قال أكلها دائم وظلها اى راحتها فالانسان العاقل بترك الراحة الدنيوية اليسيرة للّه تعالى يصل إلى الراحة الكثيرة الأخروية فشأنه يقتضى الجهاد والقتال أُولئِكَ المنفقون المقاتلون فبل انفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أَعْظَمُ دَرَجَةً وأرفع منزلة عند اللّه وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها فالدرجة بمعنى المرتبة والطبقة وجمعها درجات وإذا كانت بمعنى المرقاة فجمعها